مدونة الاثار الليبية 2 د. خالد الهدار
الخميس، 15 يناير 2026
الجمعة، 29 أغسطس 2025
من مرتوبة يأتي الجديد:
من مرتوبة يأتي الجديد:
تُعد من أبرز المنحوتات الليبية المكتشفة، تمثالان من الحجر الجيري
عُثر عليهما في مرتوبة بالجبل الاخضر في ليبيا أثناء أعمال إنشاء
المطار بين عامي 1972 و1975. وقد ألقت هاتان المنحوتتان الضوء على عبادة إيزيس
الليبية واستمرارها في العصر الروماني، وهو
ما تؤكده أيضًا المذابح المزخرفة بالنقوش البارزة المكتشفة في الموقع ذاته، والتي
تشترك جميعها في إبراز رمزية الأفعى المرتبطة بالإلهة المصرية ـ الليبية إيزيس.ويشير هيرودوت في الفقرة 186 من الكتاب الرابع إلى تحريم أكل لحم ااناث البقر عند
الليبيين، كما ان نساء قوريني يفعلن الشيء نفسه من اجل ايزيس المصرية وكن يصمن من
اجلها، وهو ما يدعم هذه الشواهد الأثرية المهمة التي تؤكد أن النساء الليبيات كنّ
يقدّسن إلهةً تشبه بدرجة كبيرة إيزيس المصرية.
أما التمثالان، فيبلغ ارتفاع كل
منهما نحو 68 سم، وقد نُحتا بأسلوب يبدو خشنًا نسبيًا، إلا أنهما يعكسان نموذجًا
أنثويًا واحدًا. ويستند كل تمثال إلى قاعدة صغيرة، بينما تُرك الجزء الخلفي غير
منجَز، مما يشير إلى أنهما صُمّما ليُوضعا ملاصقين لجدار أو عمود في أحد المبان،
ويؤرخان بالقرن الثالث الميلادي.
-تمثال ايزيس مرتوبة (1): ارتفاعه 68 سم وعرض قاعدته 18 سم وارتفاع الرأس
13 سم ، يُجسّد التمثال
شخصية أنثوية واقفة في وضع جامد صارم.
يحيط بوجهها تسريحة الشعر الليبية التقليدية، المكوّنة من خصل سميكة وطويلة مرتبة
في خطوط عمودية وأفقية، تتساقط بقسوة حول الوجه. الوجه دائري الملامح، عيناه مفتوحتان
بشكل مبالغ فيه ومحدّدتان بجفون ثقيلة، أما الأنف الرفيع فيلتقي مباشرة مع أقواس
الحواجب البارزة، بينما الشفتان مضمومتان ومنحنيتان قليلاً نحو الأسفل، مما يضفي
على المظهر العام صرامة وجمودًا.
يقف الجسد بتكوين متماسك لا يخرج عن صلابة الكتلة الأصلية التي نُحت منها، حيث احتفظ الجزء الخلفي تقريبًا بحجمه الخام دون نحت تفصيلي. الذراعان مثنيتان وقريبتان من الجانبين، لكنهما لا يبرزان بشكل مجسّم؛ والقبضتان مغلقتان مع توجيه الكفّين إلى الأعلى. الرداء الطويل يلتف حول الجسد بتصوير مبسط لتموجات متوازية، تبدو وكأنها تحاكي التواءات الأفعى المصاحبة للتمثال. الأفعى، وهي العنصر الرمزي الأكثر بروزًا، تبدأ من أسفل الرداء، وتلتف صاعدةً على طول الجانب الأيمن، محكمةً الالتفاف حول الذراع، ثم تعبر الصدر أفقيًا لتصل إلى الثدي الأيسر. الثديان لا يُبرزان إلا ببروزين صغيرين على سطح الصدر المسطّح، مما يعزز الطابع الصارم والبسيط للنحت. إن الجمع بين صرامة التكوين، والتسطيح المقصود للأسطح، والتأكيد على العناصر العِرقية كتسريحة الشعر "الليبية"، يضع هذا التمثال في سياق فني يميل إلى الرمزية والتجريد أكثر من التجسيد الطبيعي، مع عناية واضحة بتفصيل العيون التي تُعد من أبرز سماته الشكلية.
للاسف التمثال نهب عند وصوله الى طوكيو عام 2005 لعرضه ضمن ما يعرف بالمعرض الجوال.
-تمثال ايزيس مرتوبة (2) ارتفاعه 68 سم وعرض
قاعدته 26 سم وارتفاع الرأس 13 سم، يُظهر التمثال المنسوب إلى "إيزيس" شخصية أنثوية
منحوتة على ثلاثة جوانب فقط، بذراعين ممدودتين إلى الأمام في وضعية متقابلة، حيث
ترتفع القبضتان إلى الأعلى وكأنهما تحملان لوحًا أفقيًا. ترتدي الشخصية رداءً ذا
ياقة بارزة، يثبت أسفل الثديين بشريط مزدوج يتدلى منه شريطان عموديان. الرداء
متموج بانسيابية، ما يضفي على العمل مظهرًا حيويًا.
أما الشعر فقد نُفذ بتسريحة ليبية مميزة، مما يربط التمثال بالتقاليد المحلية. وتظهر الأفاعي كعنصر أيقوني بارز؛ إذ يرفع ثعبانان (أوري) رأسيهما عند مستوى الركبتين بشكل متماثل على طول الساقين، بينما يلتف ثعبان ثالث بلفائفه على طول الجانب الأيمن والجزء الخلفي، ملتفًا حول صدر المرأة، وكان من المفترض أن ينتهي عند الكتف الأيسر إلا أن رأسه مفقود.المنحوتة ما زالت تحتفظ ببعض آثار التلوين الأحمر، الأمر الذي يعكس طبيعة التزيين الأصلي للتمثال ويضفي على ملامحه بعدًا زخرفيًا إضافيًا.
وعلى الرغم من التأثير المصري الواضح في عبادة إيزيس عند الليبيين، فإن تمثيل "إيزيس الليبية" بهذه الطريقة يُعد ابتكارًا فريدًا يعبّر عن خصوصية محلية. فقد بدا أن الليبيين لم يقبلوا تنظيم عالمهم الديني وفق النماذج الأجنبية، بل فضّلوا صياغة تصوّراتهم بأسلوب ينسجم مع معتقداتهم. إن اختيارهم تمثيل الإلهة بصحبة الأفاعي يعكس استمرار حضور الرموز الطبيعية في المعتقدات الليبية خلال العصر الروماني، ويُظهر الأهمية الخاصة التي أولوها لصورة الأفعى، التي نُحتت هنا مرّتين، ومن المرجّح أن ذلك تم على يد فنّانين ليبيين. ومن الممكن أيضًا أن يكون الليبيون قد استلهموا مباشرة من الشكل المصري لإيزيس، رغم ندرة تمثيلها مع الأفعى (الأوري) بهذا الشكل. وترمز الأفعى في هذا السياق إلى الجانب الزراعي للإلهة، أي دورها النافع المرتبط بالخصب. فعندما تتجسّد إيزيس في هيئة أفعى (برأس وجذع أنثوي، أو برأس أنثوي فوق جسد أفعى)، فإنها تُعبد باسم إيزيس-ثيرموثيس. وفي جميع الحالات، سواء ظهرت الإلهة بصحبة أفعى أو اتخذت هي ذاتها شكل أفعى، فإن وظيفتها تبقى ثابتة: حماية المحاصيل وضمان وفرتها. ومما يجدر ذكره العثور بقصر الاعمدة بطلميثة على ادوات زينة نسائية (مجوهرات) زينت او جسدت ايزيس- ثيرموثيس.
مراجع مفيدة:
Bacchielli, L., « La scultura libya in Cyrenaica e la variabilità
delle riposte al contatto culturale greco-romano », QAL, 12, 1987
Marini, S. Grecs et Libyens en Cyrénaïque dans
l'Antiquité. Aspects et vicissitudes d'un rapport millénaire, Paris, 2018
مرتوبة هي بلدة في شرق ليبيا، تقع إلى الجنوب من درنة بحوالي 27 كم. ترتبط مرتوبة مع لملودة بطريقين 1.الطريق الرئيسي (عبر درنة)، وهو جزء من الطريق الساحلي الليبي.2.الطريق الداخلي أو الصحراوي.
أ.د. خالد محمد الهدار
السبت، 9 أغسطس 2025
تمثال جنائزي من درنة في متحف اللوفر متى يعود الى موطنه؟
في العدد الاخير (رقم 25-26) من مجلة دفاتر الاثار الليبيةا (Quaderni di archeologia della Libya) لسنة 2022-2023 نشر الدكتور الشاب مورجان بيلزتش (Morgan Belzic) من البعثة الاثرية الفرنسية في ليبيا مقالة مهمة بعنوان (L’explorateur, le vice-consul et les nazis :la redécouverte d’une sculpture funéraire de Derna au musée du Louvre) أي (المستكشف، نائب القنصل والنازيون: إعادة اكتشاف تمثال جنائزي من درنة في متحف اللوفر، ص ص.75-114،
https://acrobat.adobe.com/id/urn:aaid:sc:us:c312635f-1a89-4104-9dc4-39304e3f7038
وما يلفت الانتباه ان مورجان قد اهدى مقالته الى ذكرى يونس الكواش، المدير السابق لمتحف درنة ومنقذ التراث، ولعائلته وجميع سكان درنة الذين قضوا في كارثة يومي 10 و11 سبتمبر 2023 وقد نشر صورة له ولاولاده رحمة الله عليهم جميعا ولمن استشهد في تلك النكبة
. وقد طلب مني ان اترجم مقالته للعربية ليعرف اهل درنة هذه المقالة لقطعة اثرية درناوية توجد حاليا في اللوفر، ولقد آثرن ان اقدم نتائج دراسته تلك بدلا من ترجمة المقالة بشكل كامل وهذا قد نقوم به مستقبلا، وقد لخص مقالته في العبارات الاتية " تمثال نصفي لرجل ملتحٍ من العصر الروماني، نُهب من مجموعة خاصة مجهولة خلال الحرب العالمية الثانية في باريس على يد النازيين، ومحفوظ في متحف اللوفر منذ عام 1950 في قسم الآثار الشرقية، تم التعرف عليه في عام 2020 على أنه قادم من منطقة قورينائية، علاوة على ذلك، تم تصوير هذا التمثال في درنة عام 1909 وتم تحديد آثار إعادة استخدام لتمثال أقدم على ظهره.
خلاصة:
قصة قطعة رخامية صغيرة
قصة هذا الرخام تستمر في إثارة تساؤلاتنا، لكن
يمكننا بالفعل محاولة إعادة بناء ماضيه المضطرب. تم استيراد الكتلة، على الأرجح من
بحر إيجة، إلى منطقة قورينائية. نُحتت للمرة الأولى على يد فنان أو فنانين محليين،
في ورشة عمل ربما كانت موجودة في قوريني أو في مينائها أبولونيا، حوالي القرن
الثاني قبل الميلاد، عندما كانت قورينائية تحت سيطرة سلالة البطالمة وشكلت غالبًا
مملكة بطلمية ثانية.
صنع النحات (أو النحاتون) منها إلهة جنائزية،
نصف تمثال أنثوي محجب، يمثل على الأرجح إلهة الموت المكلفة بمرافقة أو حماية
المتوفى في الحياة الآخرة، والقيام بدور الواجهة مع العالم الخارجي، في منتصف
الطريق بين عالم الموتى والأحياء. بعد أن نُصبت فوق قبر، عانت من تقلبات الزمن قبل
أن تُقطع، في وقت كانت فيه على الأرجح مكسورة ومهجورة بالفعل، على يد نحات آخر نحو
نهاية القرن الثاني الميلادي، بعد ثلاث أو أربع مئة سنة من نحتها الأول.
هنا، قام النحات أو الورشة، ربما في درنة أو
متنقلة في المنطقة، بنحت صورة تمثال نصفي لرجل ملتحٍ في منتصف العمر، في أحد
أجزائها، بهدف وضع صورته، بعينيه التي تظل مفتوحة دائمًا، حية إلى الأبد، على
واجهة قبره في درنة، ربما في الوادي الجنوبي أو، الأرجح، في المقبرة الشرقية على
شاطئ البحر. كان على الأرجح محاطًا بأفراد عائلته الآخرين، الذين ربما يمثلونهم
الثلاث صور الأخرى التي التقطت في عام 1909: رجل آخر وامرأتان، نُحتوا بشكل معاصر
نسبيًا، بفارق بضع سنوات. هنا أخ، أب أو ابن، وهناك أخت، أم أو ابنة. ربما شكلوا
معًا معرضًا عائليًا يمكن للأحياء أن يأتوا إليه للتأمل والصلاة وإكمال حزنهم.
مع مرور الوقت، تسبب الإهمال وترك القبر في
سقوط التماثيل أمام الواجهة ودفنها. هناك، بعد قرون، ربما في السنوات الأولى من
القرن العشرين، أعيد اكتشافها. هل كان ذلك على يد أحد السكان أم على يد نائب قنصل
مولع بالتحف الفنية؟ نحن نجهل ذلك. تم نقلها إلى المنزل الذي كان يسكنه جوزيبي
فاروجيا، نائب قنصل الإمبراطورية البريطانية من 1898 إلى 1909، وإيطاليا من 1900
إلى 1903، في هذا الميناء الصغير في قورينائية. كان يعرضها في منزله، بشكل أو
بآخر، ربما لإظهارها للزوار العابرين، مع تمثالين آخرين قادمين بالتأكيد من
المناطق المحيطة، إن لم يكن من نفس المكان. شاء القدر أن يستضيف، في بداية مايو
1909، فريقًا صغيرًا من علماء الآثار الأمريكيين مزودًا بآلة تصوير، وأن يقرر مديره،
أوريك بيتس، إدراج صورة هذه المجموعة في تقرير مهمته. وهو تقرير ظل غير منشور حتى
عام 1999، وكان من الممكن أن يبقى كذلك لولا أن اثنين من الباحثين قررا البحث في
تاريخ الحفريات الأمريكية في قوريني.
بعد مايو 1909،
تم تصدير التمثال إلى أوروبا، بلا شك مع بقية القطع التي لا يزال مصيرها مجهولًا
اليوم، في وقت شهدت فيه قورينا منذ عام 1911 تغييرات سياسية عميقة مع الحرب
والاستعمار الذي فرضته إيطاليا. على أي حال، تعرضت القطعة للسرقة من مجموعة خاصة
في فرنسا عام 1942 على يد قوات الاحتلال الألمانية، ومن المحتمل أن تكون من عائلة
يهودية. عُثر عليها في عام 1946 في ألمانيا، وعادت إلى فرنسا وظلت منذ ذلك الحين
تحت حراسة الدولة الفرنسية تحت اسم AOR 10، ولكن لسوء الحظ بتصنيف جغرافي خاطئ أرسلها إلى قسم الآثار
الشرقية في متحف اللوفر بدلاً من قسم الآثار اليونانية والإترورية والرومانية. أدى
هذا الخطأ البسيط، بالإضافة إلى قلة البحث الذي أجري على طبيعة القطعة، إلى
نسيانها النسبي لمدة سبعين عامًا في مخازن المتحف. أبحاث فرانسوا بريدي، بالتعاون
مع لودوفيك لوجييه ثم أبحاثنا، أدت في عام 2020، وخلال أسابيع قليلة، إلى إعادة
تحديد أصلها، والتعرف على إعادة استخدامها، ثم موقعها الأصلي.
إذن، هي قصة صغيرة لقطعة رخامية صغيرة، تحولت
مرتين إلى تمثال جنائزي، تتقاطع مع التاريخ الكبير، تاريخ الحروب الاستعمارية،
والحروب العالمية، وجرائمها. يتكون التاريخ من حلقات؛ وقد وجدنا بعضها للتو وما
زال ينقصنا المزيد. نأمل أن يتمكن باحثون آخرون من سد فجوات هذه السلسلة من
المعرفة واحدة تلو الأخرى، وأن يدرسوا القبور التي جاء منها، ويجدوا رفاقه من
التماثيل الذين صُوروا في عام 1909، ويفهموا الظروف الدقيقة لتصديرهم إلى فرنسا،
ويحددوا أصحابها في عام 1942. في انتظار ذلك، نأمل أن نُعرف سكان درنة، الذين
يعيشون حاليًا في حداد بسبب خسائر فادحة، بهذه القطعة الصغيرة من تراثهم وتاريخهم.











