من مرتوبة يأتي الجديد:
تُعد من أبرز المنحوتات الليبية المكتشفة، تمثالان من الحجر الجيري
عُثر عليهما في مرتوبة بالجبل الاخضر في ليبيا أثناء أعمال إنشاء
المطار بين عامي 1972 و1975. وقد ألقت هاتان المنحوتتان الضوء على عبادة إيزيس
الليبية واستمرارها في العصر الروماني، وهو
ما تؤكده أيضًا المذابح المزخرفة بالنقوش البارزة المكتشفة في الموقع ذاته، والتي
تشترك جميعها في إبراز رمزية الأفعى المرتبطة بالإلهة المصرية ـ الليبية إيزيس.ويشير هيرودوت في الفقرة 186 من الكتاب الرابع إلى تحريم أكل لحم ااناث البقر عند
الليبيين، كما ان نساء قوريني يفعلن الشيء نفسه من اجل ايزيس المصرية وكن يصمن من
اجلها، وهو ما يدعم هذه الشواهد الأثرية المهمة التي تؤكد أن النساء الليبيات كنّ
يقدّسن إلهةً تشبه بدرجة كبيرة إيزيس المصرية.
أما التمثالان، فيبلغ ارتفاع كل
منهما نحو 68 سم، وقد نُحتا بأسلوب يبدو خشنًا نسبيًا، إلا أنهما يعكسان نموذجًا
أنثويًا واحدًا. ويستند كل تمثال إلى قاعدة صغيرة، بينما تُرك الجزء الخلفي غير
منجَز، مما يشير إلى أنهما صُمّما ليُوضعا ملاصقين لجدار أو عمود في أحد المبان،
ويؤرخان بالقرن الثالث الميلادي.
-تمثال ايزيس مرتوبة (1): ارتفاعه 68 سم وعرض قاعدته 18 سم وارتفاع الرأس
13 سم ، يُجسّد التمثال
شخصية أنثوية واقفة في وضع جامد صارم.
يحيط بوجهها تسريحة الشعر الليبية التقليدية، المكوّنة من خصل سميكة وطويلة مرتبة
في خطوط عمودية وأفقية، تتساقط بقسوة حول الوجه. الوجه دائري الملامح، عيناه مفتوحتان
بشكل مبالغ فيه ومحدّدتان بجفون ثقيلة، أما الأنف الرفيع فيلتقي مباشرة مع أقواس
الحواجب البارزة، بينما الشفتان مضمومتان ومنحنيتان قليلاً نحو الأسفل، مما يضفي
على المظهر العام صرامة وجمودًا.
يقف الجسد بتكوين متماسك لا يخرج عن صلابة الكتلة الأصلية التي نُحت منها، حيث احتفظ الجزء الخلفي تقريبًا بحجمه الخام دون نحت تفصيلي. الذراعان مثنيتان وقريبتان من الجانبين، لكنهما لا يبرزان بشكل مجسّم؛ والقبضتان مغلقتان مع توجيه الكفّين إلى الأعلى. الرداء الطويل يلتف حول الجسد بتصوير مبسط لتموجات متوازية، تبدو وكأنها تحاكي التواءات الأفعى المصاحبة للتمثال. الأفعى، وهي العنصر الرمزي الأكثر بروزًا، تبدأ من أسفل الرداء، وتلتف صاعدةً على طول الجانب الأيمن، محكمةً الالتفاف حول الذراع، ثم تعبر الصدر أفقيًا لتصل إلى الثدي الأيسر. الثديان لا يُبرزان إلا ببروزين صغيرين على سطح الصدر المسطّح، مما يعزز الطابع الصارم والبسيط للنحت. إن الجمع بين صرامة التكوين، والتسطيح المقصود للأسطح، والتأكيد على العناصر العِرقية كتسريحة الشعر "الليبية"، يضع هذا التمثال في سياق فني يميل إلى الرمزية والتجريد أكثر من التجسيد الطبيعي، مع عناية واضحة بتفصيل العيون التي تُعد من أبرز سماته الشكلية.
للاسف التمثال نهب عند وصوله الى طوكيو عام 2005 لعرضه ضمن ما يعرف بالمعرض الجوال.
-تمثال ايزيس مرتوبة (2) ارتفاعه 68 سم وعرض
قاعدته 26 سم وارتفاع الرأس 13 سم، يُظهر التمثال المنسوب إلى "إيزيس" شخصية أنثوية
منحوتة على ثلاثة جوانب فقط، بذراعين ممدودتين إلى الأمام في وضعية متقابلة، حيث
ترتفع القبضتان إلى الأعلى وكأنهما تحملان لوحًا أفقيًا. ترتدي الشخصية رداءً ذا
ياقة بارزة، يثبت أسفل الثديين بشريط مزدوج يتدلى منه شريطان عموديان. الرداء
متموج بانسيابية، ما يضفي على العمل مظهرًا حيويًا.
أما الشعر فقد نُفذ بتسريحة ليبية مميزة، مما يربط التمثال بالتقاليد المحلية. وتظهر الأفاعي كعنصر أيقوني بارز؛ إذ يرفع ثعبانان (أوري) رأسيهما عند مستوى الركبتين بشكل متماثل على طول الساقين، بينما يلتف ثعبان ثالث بلفائفه على طول الجانب الأيمن والجزء الخلفي، ملتفًا حول صدر المرأة، وكان من المفترض أن ينتهي عند الكتف الأيسر إلا أن رأسه مفقود.المنحوتة ما زالت تحتفظ ببعض آثار التلوين الأحمر، الأمر الذي يعكس طبيعة التزيين الأصلي للتمثال ويضفي على ملامحه بعدًا زخرفيًا إضافيًا.
وعلى الرغم من التأثير المصري الواضح في عبادة إيزيس عند الليبيين، فإن تمثيل "إيزيس الليبية" بهذه الطريقة يُعد ابتكارًا فريدًا يعبّر عن خصوصية محلية. فقد بدا أن الليبيين لم يقبلوا تنظيم عالمهم الديني وفق النماذج الأجنبية، بل فضّلوا صياغة تصوّراتهم بأسلوب ينسجم مع معتقداتهم. إن اختيارهم تمثيل الإلهة بصحبة الأفاعي يعكس استمرار حضور الرموز الطبيعية في المعتقدات الليبية خلال العصر الروماني، ويُظهر الأهمية الخاصة التي أولوها لصورة الأفعى، التي نُحتت هنا مرّتين، ومن المرجّح أن ذلك تم على يد فنّانين ليبيين. ومن الممكن أيضًا أن يكون الليبيون قد استلهموا مباشرة من الشكل المصري لإيزيس، رغم ندرة تمثيلها مع الأفعى (الأوري) بهذا الشكل. وترمز الأفعى في هذا السياق إلى الجانب الزراعي للإلهة، أي دورها النافع المرتبط بالخصب. فعندما تتجسّد إيزيس في هيئة أفعى (برأس وجذع أنثوي، أو برأس أنثوي فوق جسد أفعى)، فإنها تُعبد باسم إيزيس-ثيرموثيس. وفي جميع الحالات، سواء ظهرت الإلهة بصحبة أفعى أو اتخذت هي ذاتها شكل أفعى، فإن وظيفتها تبقى ثابتة: حماية المحاصيل وضمان وفرتها. ومما يجدر ذكره العثور بقصر الاعمدة بطلميثة على ادوات زينة نسائية (مجوهرات) زينت او جسدت ايزيس- ثيرموثيس.
مراجع مفيدة:
Bacchielli, L., « La scultura libya in Cyrenaica e la variabilità
delle riposte al contatto culturale greco-romano », QAL, 12, 1987
Marini, S. Grecs et Libyens en Cyrénaïque dans
l'Antiquité. Aspects et vicissitudes d'un rapport millénaire, Paris, 2018
مرتوبة هي بلدة في شرق ليبيا، تقع إلى الجنوب من درنة بحوالي 27 كم. ترتبط مرتوبة مع لملودة بطريقين 1.الطريق الرئيسي (عبر درنة)، وهو جزء من الطريق الساحلي الليبي.2.الطريق الداخلي أو الصحراوي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق